عيد النوروز أو النيروز

عيد النيروز في رأي علماء مدرسة أهل البيت (ع)

عيد النيروز في رأي علماء مدرسة أهل البيت (ع)

::: مدخل
من التخبطات المأساوية للإنسان المعاصر هذه الأيام وفي عصر الحضارة المادية أن تسمع في كل يوم، أن هناك عيداً جديداً، وبمسميات مختلفة، مثل عيد كذا أو يوم كذا، كعيد الحب، عيد الأم، عيد الميلاد، عيد العمال، عيد الإستقلال، ويوم الشجرة ويوم الأرض وما أشبه .. وكان أخرها عيد الطماطم ويوم الموتى !!
تُرى ما هو الدافع للإنسان في أن يبتكر له في كل يوم مناسبة بإسم العيد؟؟
الجواب: في تصوري أن هناك عدة تفسيرات ودوافع للإنسان لهذه الظاهرة ..
التفسير الأول: بسبب قسوة الحياة والصعوبات، بل والإخفاقات المتتابعة في حياة الإنسان المعاصر .
التفسير الثاني: بسبب ضعف الإيمان للإنسان المعاصرة وعدم قدرته على التحمل .
التفسير الثالث: محاولة الهروب من الإنسان المعاصر وعدم تحمله للمسؤوليات وإيجاد الحلول لمشاكله .
التفسير الرابع: البحث عن الفرح والبهجة المزيفة المؤقتة لمواجهة الحزن .
التفسير الخامس: أن إبتكار الأعياد وإيجادها في حياة الإنسان من دافع الغريزة، حيث إن الناس قد رجعوا عن عبادة الآله والأوثان إلى عبادة أنفسهم، لذا كرسوا لأنفسهم أعياداً بمختلف المسميات !

::: فلسفة الأعياد في الإسلام :::
في البدء ينبغي معرفة أن كل عملاً يقوم به الإنسان، يسعى به إلى تحقيق أمرين:
الأول: رضا الله سبحانه وتعالى .
الثاني: تحقيق القرب منه تبارك وتعالى .
إذن السؤال: ما هي فلسفة وغاية العيد في الفكر الإسلامي؟
الجواب: بإختصار .. من أجل عزة وكرامة الإنسان المؤمن وإنتصاره على الشيطان، وإليك التوضيح:
الإسلام يرى أن الإنسان وجد على وجه الأرض، ليؤدي دور المصارعة مع الشيطان، والمدة هي منذ بلوغه الشرعي حتى موته، ليذهب إلى الآخرة لاستيفاء مكافأته عند الله تعالى على فوز المعركة أو خسارتها .
فالعدو الوحيد للإنسان هو الشيطان، وأما ما سواه فشبيه العدو، وأن صراع الإنسان مع الشيطان طويل يدوم طول حياته الواعية، لذا الإنتصار على هذا العدو، انتصار يستحق أن يبتهج به المؤمن في رأي الإسلام، وأما الإنتصارات الأُخر، فإنها تافهة، لا يقدرها الإسلام بما يساوي الحزن والفرح .
وإنطلاقاً من الآية الشريفة (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ)، نستنتج عدة فوائد:
ـ أن الإنسان أغلى من المادة .
ـ أن الإنسان لم يخلق لهذه الحياة حتى يعيشها بالأفراح والأحزان .
ـ أن مباهج الحياة لا تسوى أن يفرح بها الإنسان أو يحزن، وإنّما يجدر بالإنسان أن يفرح إذا ربح المعركة في صراعه مع الشيطان ويحزن إذا خسر المعركة في صراعه مع الشيطان .
ووجدت أن أحد علمائنا الأعلام رضوان الله عليه، يذهب إلى أن إنتصار الإنسان على الشيطان يتحقق في ثلاثة أيام .. هي:
۱ـ عيد الفطر
۲ـ عيد الأضحى
۳ـ عيد الجمعة
ففي (عيد الفطر) يجدر بالإنسان أن يفرح، لأنَّ الإنسان قد أعلن المقاومة للشيطان، منذ إستهلال رمضان، فأغلق على نفسه نوافذ الشيطان، وتخلّص لله سبحانه، فلم يستطيع الشيطان إغرائه وصرفه عن الله، فثبت إنتصاره وإنهزام الشيطان، ومن إستطاع الإنتصار على الشيطان شهراً كاملاً، يستطيع التغلب عليه أبداً .. لأن الشيطان لا يتسلل إلى الإنسان، إلا عن طريق النوافذ الثلاثة وهي:
ـ البطن
ـ الفرج
ـ المال
وفي (عيد الأضحى) يحق للحاج أن يفرح بانتصاره على الشيطان، حيث ينتهي به المطاف في مناسك الحج برمي (الجمرات الثلاث)، التي تمثل أشباح الشياطين المشوهة بصغار الأحجار، رمزاً إلى قدر الشيطان وإنهزامه .
ولأن المؤمن قد ربح هذا الإنتصار العظيم، فهو في (عيد): (عيد النصر وعيد التحرر) .
وفي (عيد الجمعة) يحق للمؤمن أن يهنأ ويستبشر، فالمؤمن الذي عاش أسبوعاً كاملاً في طاعة الله، وتمرد على الشيطان، ولم ينخدع بتسويلاته ومغرياته، وختم أسبوعه بيوم الجمعة، فقدم الصدقة، ووصل الرحم، وتقرب إلى الله بالطاعات، فقد إنتصر على الشيطان، فهو في عيد: (عيد الأسبوع) .
إذن فهذه الأعياد الثلاثة، أعياد الإسلام، لأنّها أعياد النصر البشري، فهي الجديرة بأنْ يتبناها الإسلام أعياداً وتلتزم بها البشرية، لأنّها أعياد تنسجم مع طبيعة الإنسان، وأنها أيام عظيمة وخالدة، كما هو الإسلام .
ولكنني شخصياً أرى أن معركة الإنسان مع الشيطان الرجيم، معركة مفتوحة في كل يوم، بل في كل دقيقة يحاول فيها الشيطان التسلل إلى المؤمن في فكره وخياله وسلوكه وإغواءه عن الدين وفعل الخير .

::: فكرة وحقيقة عيد النيروز :::

:: الإحتفالات بعيد النيروز ::
يقال أن عيد النيروز مرتبط بالربيع والزهور والألوان، حيث يحتفل عشرات الملايين في بلدان آسيا والشرق الأوسط بعيد النيروز أو السنة الجديدة حسب التقويم الشمسي، حيث تبدأ إحتفالات النيروز في أول يوم من أيام الربيع الذي يصادف بداية تقويم السنة الجديدة في إيران وأفغانستان ومناطق كردستان وفي بعض بلدان آسيا الوسطى .
وبالرغم من أن أصل الإحتفال يعد لغزاً، لكن هناك من يقول إنه بدأ قبل آلاف السنوات في مناطق فارس القديمة كإحتفال بقدوم الربيع وللإحتفال بتجدد الطبيعة بعد فصل البرد . . وقيل في سبب الإحتفال بالنيروز حسب الأساطير الكردية، أنه قام حداد شجاع يدعى كاوه بالقضاء على حاكم ظالم ومنح الأكراد حريتهم .. وبعد ذلك تبنت القوميات والديانات المختلفة في المنطقة الإحتفال بعيد النيروز، وترافق هذه الإحتفالات طقوس معينة منها إشعال النار والقفز فوق المشاعل للتخلص من الأمراض وسوء الحظ حسب بعض الإعتقادات، كما يعد يوم النيروز من العطلات الرئيسة في إيران، حيث تغلق المؤسسات الحكومية أبوابها لعدة أيام . . كما يولي الأكراد في المناطق الكردية في العراق وتركيا وأدربيجان وأفغانستان وسورية وإيران وغيرها، هذه المناسبة أهمية خاصة وتختلف مظاهر الإحتفال من مكان لآخر وفقاً للظروف السياسية السائدة .

:: المقصود من يوم النيروز ::
في البدء نتسائل: ما المقصود من يوم النيروز؟
الجواب: هناك عدة أراء وهي ..
الرأي الأول: أن النيروز هو اليوم المتعارف عند الفرس بالعيد القومي والإسلامي، ويحتفلون فيه إستناداً للخبر المروي على فضيلة هذا اليوم (النيروز)، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، بأنه (اليوم الذي طلعت فيه الشمس وهبت فيه الرياح اللواقح وخلقت فيه زهرة الأرض)، وقد صرح به بعض العلماء من خلال إستحسانات مأخوذة من المخالفين من الأشاعرة والمعتزلة والمجوس !
وقد إستندو لهذا الرأي للأخبار الواردة في الأعمال العبادية لهذا اليوم مثل (الغسل ـ التطيب ـ الصوم ـ الصلاة ـ الدعاء) .
الرأي الثاني: أن النيروز هو اليوم الذي أُخذ فيه العهد وإعلان البيعة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام في غدير خم .
الرأي الثالث: أن النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائم أهل البيت الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه الشريف، ويظفره الله تعالى بالدجال، إستناداً للخبر المروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام) قال: (يوم النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت، وولاة الأمر، ويظفره الله تعالى بالدجّال، فيصلبه على كناسة الكوفة) .
الرأي الرابع: أن النيروز هو اليوم الذي ظفر فيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بأهل النهروان .
الرأي الخامس: أن يوم النيروز هو اليوم الذي كسر فيه نبي الله إبراهيم عليه السلام أصنام قومه .

::: عيد النيروز في رأي العلامة المجلسي (ره) صاحب موسوعة بحار الأنوار :::
بالنسبة ليوم النيروز، فإنه لم يرد التعبير عنه في الروايات بالعيد، ولا يخفى أنه وردت في خصوص النيروز روايات متخالفة .
وبعد التتبع في تلك الروايات رجّح العلامة المجلسي رضوان الله عليه، وتبعه العلماء الذين جاءوا من بعده، الروايات المؤيدة، ولكنه طرح في بحث مفصل له في موسوعة البحار تساؤلاً مفاده: من أين لنا أن نعلم أن النيروز الذي ورد فيه إستحباب الصوم والغسل، ورويت له صلاة خاصة، هو هذا النيروز المعهود (أي إبتداء الربيع ووقت تحول الشمس إلى برج الحمل)؟
كما لم يكن ملوك آل بويه والحمدانيون وعدة ملوك آخرين، من الذين كانوا يحتفلون بالنيروز، متفقين في تحديده، فكان هناك عدة مسميات ومنها:
ـ النيروز المعتضدي: نسبة إلى المعتضد وهو أحد حكام بني العباس واسمه أحمد بن طلحة، ولقبه المعتضد بالله .
ـ والنيروز الجلالي .
ـ والنيروز السلطاني .
ولعل الأقوال في أن النيروز هو أي يوم من أيام السنة خمسة أو ستة أقوال، وقد حدث التبديل في تعيينه مرات كثيرة، وإن إستقر الرأي أخيراً في السنين الأخيرة على إعتباره أول أيام فصل الربيع، ولهذا قام كثير من الفقهاء بتحقيقات في تعيين زمان النيروز لمناسبة أحكام الصوم والصلاة فيه، كما توقّف كثير منهم في ذلك أيضاً .
وكذلك في التحقيق الذي قام به العلامة المجلسي رحمه الله في موسوعة البحار، طرح فكرة إحتمال إنطباق النيروز من كل عام مع عيد الغدير، أي كونه في الثامن عشر من ذي الحجة أيضاً، فقد روي أن الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة (الذي نصّب فيه النبي صلى الله عليه وآله علياً سلام الله عليه خليفة له) صادف يوم النيروز .. وإذا كان الأمر كذلك فلا مسوغ لحساب النيروز الإسلامي على أساس الأشهر الشمسية فتأمل .

::: عيد النيروز في رأي المرجع الخامنئي :::
::: سؤال (۱) عيد النيروز في الميزان الشرعي :::
ما هو رأي سماحتكم في عيد (النيروز)، هل هو ثابت شرعاً كعيد يحتفل فيه المسلمون كعيد الفطر وعيد الأضحى، أم أنه فقط يوم مبارك كأيام الجمعة مثلاً وغيرها من المناسبات؟
الجواب: لم يرد نص معتبر على كون (النيروز) من الأعياد الدينية، أو من الأيام المباركة شرعاً بالخصوص، إلاّ أنه لا بأس بالإحتفالات والزيارات فيه .

::: سؤال (۲) بخصوص الأعمال الواردة في النيروز :::
هل صحيح ما روي عن يوم (النيروز) وفضله وأعماله؟ وهل يجوز الإتيان بتلك الأعمال (صلاة كانت أو دعاء أو…) بقصد الورود؟
الجواب: قصد الورود في تلك الأعمال محل تأمل وإشكال، نعم لا بأس بالإتيان بها رجاء المطلوبية .

::: الخلاصة والإستنتاج :::
وكيف كان فالآراء كثيرة في أقوال العلماء كما ذكرت لكم، وعليه أقول أن النيروز ليس من الأعياد التأسيسية التي جاء بها الإسلام، بل هو عيد تقريري، بمعنى أنه كان شرّع في الأمم والشرائع الأخرى، والإسلام لم يخالف ذلك بل قرره لما فيه من ميزات تعبدية، فشرّع فيه الغسل والدعاء والصلاة وبعض الأذكار الربانية، كما أن هذا العيد لم يختص بطائفة أو مذهب، ونحن إذ نقبله لا بعنوان أمر أتى به الإسلام، بل على إنه عيد فيه العبادة والخضوع والتوجه إلى الله، والتواصل بين المؤمنين وزيارة الأحبة والأقرباء وخصوصاً كبار العائلة من أب وجد وأم و .. ألخ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *